دور المرأة الكردية في بناء الأمة

N�

Nashmil Ali Barznji - نشمیل علی برزنجی

أستاذة وباحثة في هيئة كردستان للدراسات الاستراتيجية والبحث العلمي.

دور المرأة الكردية في بناء الأمة

1. المقدمة: أزمة الهوية والنماذج الجديدة للتحرر

في هذا الفضاء الخانق، لم يكن ظهور نموذج "روج آفا" (غرب كردستان) مجرد تطور عسكري، بل كان انفجاراً لوعي جديد حطم كافة المعادلات الجندرية في المنطقة. تسلط هذه الدراسة الضوء على كيف تمكن هذا النموذج من أن يصبح مرآة للشابات في جنوب كردستان للتحرر من "التخدير الفكري" للإعلام والرأسمالية، واستعادة دورهن كـ "بانيات للوطن ومربيات أجيال".

2. ثورة الانتكاس: من السلطة الروحية لـ "سيدة المنزل" إلى التهميش الديني السياسي

كما أشرنا بوضوح في دراستنا السابقة تحت عنوان (مفارقة هوية المرأة الكردية في الجنوب...)، فقد وفر التصوف الكردي، كنظام ديني-ثقافي، فضاءً "أنطولوجياً" وروحياً للنساء لم يكن فيه الجنس عائقاً أمام بلوغ درجة "الكمال".

هنا يجب التأكيد على التحول اللاهوتي (الديني) الذي كان له تأثير مباشر على تراجع مكانة المرأة في الجنوب. إن شخصيات مثل "بيبة صاحبة" و"حفصة خان" لا يظلون مجرد شخصيات تاريخية، بل أصبحن "أدلة معرفية" على أن النظام الاجتماعي الكردي في الماضي سمح بـ "سيادة المرأة" في صميم الدين. لقد كنّ يمثلن "ديناً ثقافياً" كانت فيه المرأة تُعتبر "حارسة للأخلاق" و"مرشدة صانعة للقرار"، بل وكانت هيمنتهن الروحية تتفوق حتى على الرجال.

ولكن، كرد فعل سلبي على موجات الحداثة وتغير المعادلات السياسية، حل خطاب "الإسلام السياسي والوهابية المستوردة" محل ذلك التصوف الثقافي. جلبت هذه الموجات الجديدة نوعاً من "الاستعمار الفكري" (Intellectual Colonization) إلى كردستان، حيث تم اختزال تعريف المرأة من "إنسان ذي روح وفكر" إلى "عورة خطيرة". هذا التحول أدى إلى تراجع المرأة من "بانية للإنسان" إلى كائن مهمش داخل المنزل. لم يكن هذا التراجع مجرد تغيير في الملابس، بل كان "انقلاباً معرفياً" ضد الكرامة التاريخية التي كانت تتمتع بها المرأة الكردية في أصالتها الدينية، مما مهد الطريق لاحقاً للرأسمالية والإعلام لقيادة المرأة الكردية بسهولة نحو "التسليع".

3. نموذج روج آفا و"الجنولوجيا": ثورة في قلب العلم

لقد غير ظهور المقاتلات في روج آفا (غرب كردستان) صورة المرأة الكردية على المستوى العالمي. لكن أهمية هذا النموذج لا تكمن فقط في "حمل السلاح"، بل في علم "الجنولوجيا" (Jineology) أو "علم المرأة". عندما تنظر فتاة شابة في الجنوب إلى مقاتلة، فإنها لا ترى فقط بندقيتها، بل ترى الثقة بالنفس التي منحها إياها علم الجنولوجيا. المقاتلة تقول لها: "أنت لست سلعة، ولم تُخلقي فقط للزواج والتجميل؛ يمكنك إدارة وطن وتغيير التاريخ."

  • إلهام شباب الجنوب: في حين تتعرض الفتاة الشابة في جنوب كردستان لضغوط "التسليع" وتُقنع بأن جمالها يكمن في "المكياج وعروض الأزياء"، أعادت مقاتلة روج آفا تعريف "الجمال في الحرية والوعي". هذا أدى إلى ظهور جيل جديد في جنوب كردستان يعبر عن أنوثته بطريقة مختلفة؛ فهن لم يعدن يرغبن في أن يكنّ "أشياء" (Objects) لإرضاء عين الرجل، بل يطمحن ليصبحن "فاعلات سياسيات" (Subjects).

  • المقاومة والبناء: أظهر نموذج روج آفا أن المرأة يمكن أن تكون في وقت واحد "مقاتلة، ومفكرة، وبانية لنظام جديد". كان هذا تحدياً كبيراً للصورة البلاستيكية التي رسمها إعلام الجنوب للنساء.

4. الإعلام، القوة الناعمة و"التسليع"

أخطر حرب تُشن ضد المرأة الكردية في الجنوب هي حرب "القوة الناعمة" (Soft Power). لقد جردت الرأسمالية، عبر الإعلام، المرأة من قيمها الإنسانية والثورية.

  • التسليع (Commodification): تعمدت وسائل الإعلام في كردستان منح وقت ومساحة كبيرين لـ "الاستعراض والموضة" لتخدير الوعي السياسي للمرأة. عندما تظهر المرأة كـ "أداة للشهوة والمتعة" فقط على الشاشات، فإن المجتمع لا يسمح لنفسه بالتعامل معها كـ "رئيسة حكومة" أو "مربية عظيمة".

  • العنف الرمزي: هذا شكل خطير من أشكال العنف حيث يعمل الإعلام والسياسة معاً لـ "تصغير المرأة". هذا الثالوث (الإعلام، الرأسمالية، الدين المتطرف) جعل المرأة تضيع وقتها وطاقتها فقط في دائرة "التجميل" وتبتعد عن تاريخ بناء الوطن. لقد صوروا للمجتمع بأسره أن المرأة مجرد "أداة للمتعة"، وهذا هو أكبر تراجع ثقافي.

5. أزمة الأوساط الأكاديمية والحداثة المزيفة: الشهادة كروتين وتقليد

في جنوب كردستان، أُصيب قطاع التعليم والتعليم العالي بنوع من "العقم المعرفي"، حيث تحولت الشهادة من أداة للتغيير الفكري إلى "روتين اجتماعي". على الرغم من أن الإحصائيات تظهر زيادة في معدلات تعليم الإناث، إلا أن هذا لا يعني بالضرورة زيادة في "الوعي الجندري والوطني".

  • ظاهرة التقليد والإكسسوارات العلمية: تتجه معظم النساء في جنوب كردستان إلى التعليم العالي، ليس لتعميق الأسس العلمية أو فهم فلسفة حقوقهن الحقيقية، بل تحت ضغط "التقليد الاجتماعي" (Social Mimicry). أصبحت الجامعة بالنسبة للعديد من النساء مكاناً للهروب من "البطالة الاجتماعية" أو نوعاً من "الإكسسوارات" للحصول على أسلوب حياة حديث. هذا جعل التعليم "روتيناً فارغاً" تُرى فيه الشهادة كقطعة ورق لمواكبة الأصدقاء والعائلة، وليس كسلاح معرفي لمواجهة الفكر "المعادي للمرأة" الذي يخنق المجتمع.

  • الاختناق داخل الشهادة: أدت هذه "الشهاداتية" (Credentialism) إلى بقاء الأكاديميات محاصرات داخل حدود الروتين البيروقراطي والوظيفي. عندما تدرس المرأة فقط من أجل "التقليد" و"الشهادة"، فإنها لا تتعمق في الأسس العلمية وحقوقها الأساسية. نتيجة ذلك هي تشكيل طبقة كبيرة من النساء الحاصلات على شهادات لكنهن لا زلن يفكرن تحت تأثير الإعلام المُسلِّع والتفسيرات الدينية السلفية. لديهن شهادات، لكنهن يفتقرن إلى "وعي صنع القرار"، لأن دراستهن لم تصبح نقطة تحول فكري لتجاوز الواقع الذي عرف فيه الإعلام والسياسة المرأة فقط كـ "أداة للمتعة". لذلك، لم تصبح الشهادة في الجنوب أداة للتحرر فحسب، بل أصبحت "سجناً حديثاً" تتعلم فيه المرأة تقليد الحداثة دون فهم جوهر الحداثة والحرية.

6. كيف تعود امرأة الجنوب بانية للوطن؟ (خارطة طريق للتغيير)

لكي تصبح نساء جنوب كردستان مجدداً جزءاً من تاريخ بناء الوطن والتربية، يجب أن تحدث هذه التحولات الاستراتيجية:

  1. بناء "المعرفة المستقلة": يجب أن تتحول النساء من "مستهلكات للفكر" إلى "مبتكرات للفكر". الاستفادة من نموذج الجنولوجيا لإنشاء مراكز أكاديمية مستقلة تستعيد التاريخ الحقيقي للمرأة الكردية.

  2. التحرر من فخ "التسليع": يجب خلق تيار ثقافي قوي بين الشباب يغير "التعبير عن الأنوثة" من "استعراض الجسد" إلى "الإبداع العلمي والسياسي". يجب إعادة تعريف الجمال في إطار "الإرادة".

  3. المشاركة السياسية الاستراتيجية: ليس فقط ملء مقاعد البرلمان، بل الوصول إلى مراكز صنع القرار. يجب أن يكون للمرأة خطة لـ "بناء الدولة" (State-building) وإصلاح ديني يُحترم فيه "دور المرأة كالمرشدة".

7. الخاتمة

تقف المرأة في جنوب كردستان أمام اختبار تاريخي. أثبت نموذج مقاتلات روج آفا و"ثورة الضفائر" في شرق كردستان (إيران) أن المرأة يمكن أن تكون "مركزاً للتغيير". يمكن لامرأة الجنوب أن تعود بانية للوطن ومربية للأجيال، إذا قررت ألا تكون بعد اليوم "سلعة إعلامية وتجارية" وعادت إلى تلك الأصالة المعرفية التي أوكلها لها التاريخ. طريق التحرر يكمن في "الوعي السياسي والاستقلال الفكري"، حيث تعود المرأة كـ "إنسان متكامل" إلى قلب السلطة وبناء الأمة.