معاهدة زهاب (قصر شيرين)

J�

Jyan Aziz Gardy - ژیان عزیز گەردی

محامٍ وناشط وطني

معاهدة زهاب (قصر شيرين)

يُمثل مفهوم "المنطق العازل" (أو منطق المنطقة العازلة) تفسيراً استراتيجياً وسياسياً عميقاً لتداعيات هذه المعاهدة، لا سيما فيما يتعلق بمصير الأمة الكردية. وفيما يلي نوضح كلا المفهومين بالتفصيل:

1. ما هي معاهدة زهاب؟

قبل عام 1639، كانت المنطقة تعيش في حالة من الصراع المستمر؛ حيث تبادلت الإمبراطوريتان العثمانية السنية والصفوية الشيعية السيطرة على بغداد والمناطق المحيطة بها مراراً وتكراراً. جاءت معاهدة زهاب لإرساء استقرار دائم من خلال حدود مرسومة ومحددة. وبموجب هذه المعاهدة:

  • وقع العراق الحالي (بغداد، البصرة، وشهرزور) بالكامل تحت السيطرة العثمانية.

  • بقيت مناطق أذربيجان ويريفان في القوقاز تحت حكم الصفويين.

  • تم تحديد سلسلة جبال زاگروس كحدود طبيعية ورسمية بين الدولتين.

  • لا تزال هذه الحدود التي رُسمت عام 1639 تشكل الأساس الرئيسي للحدود الحالية بين (العراق - إيران) و(تركيا - إيران).

2. ما هو "المنطق العازل"؟

في علم الجيوسياسة، يُطلق مصطلح "المنطقة العازلة" (Buffer Zone) على الجغرافيا التي تقع بين قوتين عظميين متنافستين، وتهدف إلى منع الصدام المباشر ونشوب الحرب بينهما. وعندما نتحدث عن "المنطق العازل لمعاهدة زهاب" فيما يخص كردستان، فإننا نعني النقاط التالية:

  • كردستان كدرع بشري وجغرافي: توصلت كلتا الإمبراطوريتين إلى قناعة بأنهما لا تستطيعان تدمير بعضهما البعض بالكامل. لذلك، استخدمتا أرض كردستان (التي تضم سلسلة جبال زاگروس) كـ "حاجز طبيعي" للفصل بينهما. أصبحت كردستان هي المنطقة التي تمتص الصدمات وموجات الهجوم من كلا الجانبين، دون أن يلحق أي ضرر بعواصم القوتين (إسطنبول وأصفهان).

  • التقسيم الرسمي الأول: أدى ترسيم هذه الحدود إلى التقسيم الرسمي والقانوني لجغرافيا كردستان إلى قسمين رئيسيين (كردستان العثمانية وكردستان الصفوية). وقد حال هذا الانقسام دون التطور الثقافي والاقتصادي الموحد للأمة الكردية.

  • مجال "فرّق تسد": يقتضي المنطق العازل أن يبقى سكان المنطقة العازلة (وهم الكرد في هذه الحالة) دائماً في حالة من الضعف وعدم القدرة على التحول إلى قوة موحدة ومستقلة؛ لأنه إذا أصبح الكرد قوة كبرى، فإن التوازن بين العثمانيين والصفويين سيختل. لذا، عمل كلا الطرفين على خلق وإذكاء الصراعات بين الإمارات الكردية (باستخدام إمارة ضد أخرى).

الخلاصة: التداعيات والانعكاسات في التاريخ المعاصر

تكمن أهمية فهم "المنطق العازل لزهاب" في كونه يشكل حجر الأساس للفلسفة السياسية التي تتبناها دول المنطقة تجاه الكرد. فعندما جاءت اتفاقية سايكس بيكو (1916) ومعاهدة لوزان (1923) في القرن العشرين وقسمت كردستان بين أربع دول، كانت في الواقع تقوم بتجديد وتوسيع "المنطق العازل لزهاب" ليسري على خرائط الدول القومية الحديثة.

وحتى في يومنا هذا، عندما نرى القوى الإقليمية والعالمية تستخدم القضية الكردية كـ "ورقة ضغط" أو كقوة وكيلة للحماية (على سبيل المثال، في الحرب ضد الإرهاب أو الحفاظ على التوازن الإقليمي)، فإن ذلك يُعد استمراراً لنفس المنطق الذي هُندس قبل حوالي 400 عام في زهاب: الإبقاء على جغرافيا معينة كحاجز وأداة لحماية مصالح الآخرين، وليس كفاعل قانوني مستقل.